عبد الفتاح عبد المقصود

31

في نور محمد فاطمه الزهراء

إلى الكعبة طارت بلا جناح ، ثم حامت حولها هنيهات ، ثم حطّت بغتةً على سترها كما ينقضّ شهاب . وفي الحال زمجر « 1 » اللهيب ، وشلّت المباغتة العقول والأوصال . * * * ألا ما كان أبلغ منطق ألسنة النار ! لكأنّها تتحدّث بكلّ لغات الدمار ! لكأنّما تفجرت الأرض كلّها بركاناً يثور ! لكأنّما بُرِّزت الجحيم ، لكأنّما تلظّت « 2 » السعير . إنّها لتزحف ، عاويةً مسعورةً ، كأنهار غضاب « 3 » من العذاب . وإنّها لتسرح منهومة شرهة على الكعبة ، تزدرد « 4 » منها ما تشاء ، وتلتهم ما تشاء . وعندما خلص الناس من صدمة المباغتة ، وهبوا من غشيتهم ليبطشوا بتلك الفراشة الجهنمية التي طفقت ترقص رقصة الفناء على الأرض والجدران والأستار ، كان الحريق المجنون قد نال من البقعة المقدّسة شرّ منال . وتلفّت القوم مفجوعين يتساءلون : ماذا وقع ؟ ما الذي بقي ، وما الذي ضاع من البناء الطاهر العتيق ؟ بعضه قد تفحّم ، بعضه قد تهشّم ، وكلّه مشت عليه النيران العاتية مشية الزمن على طلل « 5 » ، وصبغته بظلال قاتمة بدت كبقايا الوشم على يد موشوم .

--> ( 1 ) . زَمْجَر زَمْجَرةً : إذا أكثر الصياح والصَخَب ، ومنه جاء أنّ زَمْجَرة كلّ شيء : صوته . ( 2 ) . تَلَظَّت النار : التهبت مع شدّة وغيظ . ( 3 ) . غِضاب وغَضْبى وغَضَابى : جمع غَضُوب وغَضبانة . ( 4 ) . ازدراد الشيء : ابتلاعه بسرعة . ( 5 ) . الطَلَل : جمعه أطلال وطُلُول ، وهو الشاخص المرتفع من الآثار المتبقية .